سيد محمد طنطاوي
382
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
نبذوا هذا العهد ، وألقوا بما فوق أكتافهم من أحمال ، وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم انقياد الأعمى لقائده . . ولفظ « ثم » في قوله * ( ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ) * للتراخي النسبي ، لأن عدم وفائهم بما عهد إليهم ، أشد عجبا من تحملهم لهذه العهود . وشبههم ، بالحمار الذي هو مثل في البلادة والغباء ، لزيادة التشنيع عليهم ، والتقبيح لحالهم ، حيث زهدوا وأعرضوا عن الانتفاع بأثمن شيء نافع ، - وهو كتاب اللَّه - كما هو شأن الحمار الذي لا يفرق فيما يحمله على ظهره بين الشيء النافع والشيء الضار . وجملة « يحمل أسفارا » في موضع الحال من الحمار ، أو في موضع جر على أنها صفة للحمار ، باعتبار أن المقصود به الجنس ، فهو معرفة لفظا ، نكرة معنى . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : « يحمل » ما محله ؟ قلت : محله النصب على الحال ، أو الجر على الوصف ، لأن لفظ الحمار هنا ، كلفظ اللئيم في قول الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني . . « 1 » . ثم أضاف - سبحانه - إلى ذم هؤلاء اليهود ذما آخر فقال : * ( بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّه . . . ) * . و * ( بِئْسَ ) * فعل ذم ، وفاعله ما بعده وهو قوله : * ( مَثَلُ الْقَوْمِ ) * وقد أغنى هذا الفاعل عن ذكر المخصوص بالذم ، لحصول العلم بأن المذموم هو حال هؤلاء القوم الذين وصفهم - سبحانه - بأنهم قد كذبوا بآياته . أي : بئس المثل مثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات اللَّه - تعالى - الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلى صدق أنبيائه فيما يبلغونه عنه - تعالى - . وقوله : * ( واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * تذييل قصد به بيان الأسباب التي أدت إلى عدم توفيق اللَّه - تعالى - لهم إلى الهداية . أي : واللَّه - تعالى - قد اقتضت حكمته ، أن لا يهدى إلى طريق الخير ، من ظلم نفسه ، بأن آثر الغي على الرشد ، والعمى على الهدى ، والشقاوة على السعادة ، لسوء استعداده ، وانطماس بصيرته . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يتحدى اليهود ، وأن يرد على مزاعمهم ردا يخرس
--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 530 .